السابقرجوعالرئيسةالتالي


«إفطار طيب الأثر» يجمع 500 من كبار السن في أمسية رمضانية ببركة الموز

«إفطار طيب الأثر» يجمع 500 من كبار السن في أمسية رمضانية ببركة الموز

 


كتبت- سُندس بنت سعيد المعمرية 

 

في مشهد إنساني مفعم بالمحبة والوفاء، احتضن حصن بيت الرديدة ببركة الموز بمحافظة الداخلية ملتقى «إفطار طيب الأثر» الرمضاني، الذي نظمه فرع جمعية إحسان بالمحافظة بالتعاون مع جماعة خدمة المجتمع والعمل التطوعي بالجامعة، بمشاركة قرابة 500 من المسنّات والمسنّين القادمين من مختلف ولايات الداخلية، في فعالية جسدت أسمى صور التراحم والتكافل الاجتماعي خلال الشهر الفضيل.

 

لم يكن اللقاء مجرد مائدة إفطار جماعي، بل مناسبة لاستحضار معاني الامتنان لجيلٍ أفنى عمره في خدمة أسرته ومجتمعه ووطنه. ففي أروقة الحصن التاريخي، الذي يروي تفاصيل حقب زمنية متعاقبة، اجتمع الحاضر بالماضي في لوحة إنسانية عكست عمق الانتماء للأرض والذاكرة، وكأن المكان اختير بعناية ليؤكد أن كبار السن هم حصون القيم وذاكرة المجتمعات.



 

منذ الساعات الأولى قبيل الغروب، توافد المشاركون وسط استقبال حافل من المتطوعين والفرق المشاركة، الذين حرصوا على تسهيل حركة الدخول وتوفير أماكن جلوس مريحة تراعي احتياجات كبار السن. كما جرى إعداد برنامج متكامل يجمع بين الجوانب الدينية والتثقيفية والصحية والترفيهية، في إطار رؤية شاملة تعزز جودة حياة هذه الفئة وتمنحهم مساحة للتواصل والتفاعل.

 

وأكد المنظمون أن إقامة هذا الملتقى يأتي ضمن سلسلة مبادرات تستهدف كسر العزلة الاجتماعية، وتعزيز الاندماج المجتمعي لكبار السن، وإشراكهم في أنشطة تليق بمكانتهم. كما عكست المشاركة الواسعة من المؤسسات الرسمية والخاصة والفرق التطوعية روح التعاون والتكامل في خدمة المجتمع.


استهل البرنامج بمحاضرة دينية تناولت فضائل شهر رمضان وأثره في تهذيب النفوس، مركزة على أهمية استثمار أيامه في الطاعة والعمل الصالح، وترسيخ قيم الرحمة والإحسان. وقد تفاعل الحضور مع الطرح الذي ربط بين البرّ بكبار السن ونيل الأجر العظيم، مستحضرًا نماذج من السيرة النبوية التي تحث على توقير الكبير والعناية به.

 

وتخللت الأمسية فقرات إنشادية أضفت أجواء روحانية على المكان، فامتزج صوت الإنشاد بعبق التاريخ الذي يحيط بالموقع، في مشهد اتسم بالسكينة والخشوع، ومهّد لوجبة الإفطار التي جمعت القلوب قبل أن تجمع الأيدي حول المائدة.


وإيمانًا بأهمية الرعاية المتكاملة، خصص جزء من البرنامج للحديث عن الصحة النفسية لكبار السن، حيث تم التأكيد على ضرورة توفير بيئة أسرية داعمة تعزز الشعور بالأمان والانتماء، وتحد من مشاعر الوحدة أو التهميش. كما طُرحت مجموعة من الإرشادات العملية التي تساعد على تحسين نمط الحياة، من خلال النشاط البدني المناسب، والتواصل الاجتماعي المستمر، والتغذية المتوازنة.

 

وفي الجانب الصحي، أُقيم ركن للفحوصات الأساسية، شمل قياس ضغط الدم ومستوى السكر، إضافة إلى تقديم استشارات طبية أولية ونصائح وقائية. وأسهمت هذه الخطوة في رفع مستوى الوعي بأهمية المتابعة الدورية للحالة الصحية، خاصة في ظل التغيرات الجسدية التي ترافق التقدم في العمر.

 



من أبرز محطات الملتقى الجلسة الحوارية المفتوحة، التي أتيحت خلالها الفرصة لكبار السن لاسترجاع محطات من حياتهم، وسرد قصص وتجارب عايشوها في مراحل مختلفة من عمرهم. تنوعت الحكايات بين مواقف من زمن الطفولة والعمل والتعليم، وقصص كفاح وصبر في سنوات مضت، حملت في طياتها دروسًا عميقة في الإصرار والتضحية.

 

وقد شكّلت هذه الجلسة مساحة إنسانية ثرية، أتاحت للأجيال الشابة من المتطوعين الاستماع المباشر إلى تجارب واقعية، ما أسهم في تعزيز جسور التواصل بين الأجيال، وترسيخ قيمة الاحترام المتبادل.

 

لم تخلُ الأمسية من أجواء الفرح، حيث نظمت مسابقات خفيفة ذات طابع رمضاني، حفزت روح التفاعل والمشاركة، واختُتمت بتوزيع جوائز رمزية أدخلت السرور إلى قلوب الحاضرين. كما تم تكريم الجهات الداعمة والمساهمة في إنجاح الحدث، تقديرًا لعطائها وتعاونها.

 

واختُتم الملتقى برسالة واضحة مفادها أن رعاية كبار السن ليست مسؤولية جهة بعينها، بل واجب مجتمعي مشترك، يعكس أصالة القيم العُمانية المتجذرة في البرّ والإحسان وصون الكرامة الإنسانية. وقد غادر المشاركون المكان وملامح الرضا بادية على وجوههم، بعد أن عاشوا أمسية رمضانية حملت من اسمها نصيبًا وافرًا، فكان «إفطارًا طيب الأثر» في القلوب قبل الموائد.

 



© 2026 جامعة نزوى