| السابق | رجوع | الرئيسة | التالي |
بالتعاون مع قسم اللغة العربية بالجامعة... مجلس جلالات ينظم أمسيته الرمضانية الأولى «جماليات الخطاب وتشكيل الدراما: البناء المسرحي والبنية الحجاجية في مسرحية معاوية الثاني»
كتبت- سندس المعمرية
نظّم مجلس جلالات بالتعاون مع قسم اللغة العربية بجامعة نزوى أولى أمسياته الرمضانية بعنوان: «جماليات الخطاب وتشكيل الدراما: البناء المسرحي والبنية الحجاجية في مسرحية معاوية الثاني»، وذلك مساء الأربعاء 25 فبراير 2026م، بمقهى الشرع في حارة العقر بولاية نزوى.
شارك في تقديم الأمسية كلٌّ من: الأستاذ الدكتور هاني أبو رطيبة، والدكتور يعقوب آل ثاني، والأستاذ الدكتور محمد إسماعيل بصل، وأدارت الحوار الأستاذة أمينة البلوشية، في لقاء فكري تناول أبعاد النص المسرحي جمالياً وفكرياً، من خلال قراءة معمقة لمسرحية «معاوية الثاني» بوصفها نموذجاً للمسرح التسجيلي ذي النزعة الإنسانية.
خصوصية النص المسرحي… بين الفرجة والقراءة
أكد الأستاذ الدكتور محمد إسماعيل بصل أن النص المسرحي «نسيج متكامل يجمع بين الحوار المسموع والحركة المرئية»، مشدداً على أن المسرح في جوهره «فرجة» قبل أن يكون نصاً يُقرأ في المكتبة. وأوضح أن قراءة المسرحيات قراءة صامتة قد تفقد النص حيويته، بخلاف الرواية التي تعتمد على السرد والوصف الشعري.
وأشار إلى أن الحوار المسرحي ينبغي أن يكون سريعاً، رشيقاً، حركياً، خالياً من الوصف المباشر، لأن الوصف ينتقل إلى فضاء «الموضّحات الإخراجية» أو «ديداسكالي» (Didaskalia).
وتوقفت الندوة عند أهمية الموضحات الإخراجية باعتبارها دعامة أساسية في النص المسرحي الحديث، إذ تتحول من «بلاغ مكتوب» إلى «بلاغ مرئي ومنطوق» على خشبة المسرح. وشدد الدكتور محمد على ضرورة الفصل الطباعي الواضح بين الحوار والإرشادات، سواء بوضعها بين قوسين أو كتابتها بخط مميز، لتفادي إرباك الفعل المسرحي.
وأوضح أن الفصل بين لغة الحوار ولغة الإرشاد مبدأ سار عليه كتّاب المسرح منذ اليونان والرومان، وصولاً إلى ويليام شكسبير، الذي تكمن عظمته في لغته الشعرية الرفيعة قبل أي مضمون آخر.
وبيّن أن كتّاب المسرح القدامى كانوا يكتبون الحوارات بلغة شعرية راقية، بينما تُكتب الموضحات بلغة نثرية، حفاظاً على سمو لغة الشعر.

البناء الفني للمسرحية
استعرض المتحدثون الهيكل الفني لمسرحية «معاوية الثاني»، موضحين أنها تتكون من أربعة فصول:
· الفصول الثلاثة الأولى: أربعة مشاهد لكل فصل.
· الفصل الرابع: خمسة مشاهد.
· المشهد الأخير: خاتمة توثيقية للأحداث، لا حواراً درامياً تقليدياً.
أما الديكور، فدارت الأحداث في ثلاثة أماكن رئيسية:
· صحن جامع
· بلاط وقصر
· شارع في حي شعبي
ورغم بساطة الديكور، رأى المشاركون أن العمل اتسم برمزية تسمح بالإسقاط على أكثر من زمان ومكان، إذ كانت عين الكاتب على التاريخ بينما كان قلبه مع الحاضر.
المسرح التسجيلي والنزعة الإنسانية
صُنّفت المسرحية ضمن إطار «المسرح التسجيلي»، الذي اعتمد على وقائع تاريخية موثقة لإثارة الوعي السياسي والاجتماعي. وركزت المسرحية على شخصية معاوية الثاني، الذي حكم لفترة قصيرة اختلفت الروايات حول مدتها (من 20 يوماً إلى 4 أشهر)، لكنه أعلن اعتزاله الخلافة، رافضاً تحمل تبعات حكم قائم على سفك الدماء.
ورأت المسرحية أن الإسلام لم يحدد نظام حكم بعينه، وأن «الخلافة» ينبغي أن يتولاها الأكفأ والأقدر، لا أن تكون حكراً على سلالة أو قبيلة، فيما أبرز العمل نموذج معاوية الثاني كشخصية إنسانية زاهدة في السلطة.
البنية الحجاجية… صراع بين الماضي والضمير
انتقل الدكتور يعقوب آل ثاني إلى تحليل «البنية الحجاجية»، مبيناً أن المشهد الأول كشف عن بناء حجاجي اعتمد على ثلاثة أنواع من الحجج:
1. الحجة العاطفية: تمثلت في خطاب الأم الذي استثار مشاعر المجد التاريخي وضغط على ابنها.
2. الحجة اللغوية: عبر أدوات الاستفهام وأداة التمني «ليت».
3. الحجة المنطقية: التي اعتمدها معاوية الثاني لتبرير اعتزاله.
واحتلت عبارة «ليتها خرقة حيض يا معاوية» موقعاً مركزياً في المسرحية، إذ وظفتها الأم للتعبير عن خيبة أملها، بينما أعاد الابن توظيفها بدلالة مغايرة عكست ندمه على صراع دموي لم يُرد تحمل أعبائه.
وانقسم المشهد الحجاجي بين ثلاث شخصيات رئيسية: الأم، معاوية الثاني، والعبد، الطرف الأضعف الذي تحول إلى شاهد على الصراع.
سياق الكتابة… بين التاريخ والواقع المعاصر
كشف الدكتور هاني أن المسرحية كُتبت عام 2015 وبقيت لسنوات قبل نشرها، وأن اختيار الشخصية جاء بعد تقليب صفحات التاريخ ومقارنة أحداثها بما يمر به العالم العربي من تحولات وصراعات.
وأوضح أنه يحب «المهمشين»، قائلاً: «أنا سأموت ولن يذكرني التاريخ، وهذا الرجل مات – رغم أنه كان حاكماً لدولة فتية – ولم يذكره أحد، ففتشت عنه ربما لأنني أبحث عن ذاتي».
وأشار إلى تأثره بعدد من الأدباء، وفي مقدمتهم عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور.

مداخلات الحضور… اللغة والديكور والاحتدام الكلامي
شهدت الأمسية تفاعلاً لافتاً من الحضور، إذ طرحت الدكتورة شفيقة وعيل ثلاثة تساؤلات حول رمزية الديكور وطبيعة اللغة المستخدمة ودور الاحتدام الكلامي السياسي.
كما وجهت الطالبة أنوار الريامية سؤالاً حول سبب اختيار شخصية مجهولة تاريخياً، فرد الدكتور هاني بأنه يميل إلى المهمشين لأنه يبحث عن ذاته فيهم.
وأكد الدكتور هاني أن اللغة المبسطة جاءت لتقريب النص إلى المتلقي، مع الحفاظ على روح العصر التاريخي، وأن الانتقال بين العراق ومصر ومكة ودمشق كان لتجسيد الصراعات الفكرية الممتدة إلى يومنا هذا.
ختام الأمسية
وفي ختام اللقاء، فُتح باب النقاش أمام الجمهور، قبل أن يتقدم قسم اللغة العربية، ممثلاً برئيسه الدكتور مسعود الحديدي، بتقديم هدية تذكارية للدكتور إسحاق الشرياني، مؤسس نزل الدار.
وجاءت هذه الأمسية ضمن برنامج رمضاني سعى إلى تعزيز الحوار الثقافي وإعادة قراءة النصوص الأدبية في ضوء قضايا الحاضر، مؤكداً أن المسرح لم يكن مجرد نص يُقرأ، بل فضاءً حياً للتفكير والمساءلة وإحياء القيم الإنسانية.